محمد جمال الدين القاسمي
192
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يحف بهم بيض الوجوه وعصبة * كراسيّ بالأحداث حين تنوب يعني بذلك علمه بحوادث الأمور ونوازلها . وروى ابن جرير أيضا عن الحسن : أن الكرسيّ في الآية هو العرش . وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيّها مترادفان . ولذلك قال تعالى على لسان سليمان : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [ النمل : 38 ] ، فالعرش والكرسيّ هما شيء واحد وإنما سماه هنا . كرسيّا ، إعلاما باسم له آخر . وَلا يَؤُدُهُ أي لا يثقله ولا يشق عليه . يقال : آده الأمر أودا وأوودا ( كقعود ) بلغ منه المجهود والمشقة حِفْظُهُما أي السماوات والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد . وكيف يشق عليه وَهُوَ الْعَلِيُّ قال ابن جرير . قال بعضهم : يعني بذلك علوّه عن النظير والأشباه . وقال آخرون : معناه العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه . لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه . وخلقه دونه . كما وصف به نفسه أنه على العرش . فهو عال بذلك عليهم . الْعَظِيمُ أي أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان . تنبيه : آية الكرسيّ هذه لها شأن عظيم وفضل كبير . وقد صح الحديث « 1 » عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب اللّه وأنها مشتملة على اسم اللّه الأعظم ، وقد ساق ما ورد في فضلها الإمام ابن كثير في ( تفسيره ) والجلال السيوطيّ في ( الدر المنثور ) فانظرهما . قال الزمخشريّ : فإن قلت : لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد . قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد اللّه تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة . فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار . وقد حكى السيوطيّ في ( الإتقان ) عن الأشعريّ والباقلانيّ وابن حبان المنع من أن يقال في القرآن فاضل وأفضل . قالوا : وما ورد مما يفيد ذلك محمول على الأعظمية في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض . وقد ردّ ذلك غير واحد ، حتى
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة 461 من ج 6 ونصه : عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول في هذين الآيتين : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . و ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، أن فيهما اسم الله الأعظم .